الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

240

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

عساكر الفرس قد غشيته ، فاغتم لذلك حتى سقط التاج عن رأسه ، فنظر إليه أحد الثلاثة الذين كانوا عن يمينه ويقال له ( تلميخا ) فقال في نفسه : لو كان ( ديقيانوس ) إلها كما يزعم إذا ما كان يغتم وما كان يبول ولا يتغوط ، وما كان ينام ، وليس هذا من فعل الإله . وقد كان هؤلاء الوزراء الستة يجتمعون كل يوم عند أحدهم ، وكانوا ذلك اليوم عند ( تلميخا ) فاتخذ لهم من طيب الطعام ثم قال لهم : يا إخوتاه ، قد وقع في قلبي شئ منعني الطعام والشراب والمنام . قالوا : وما ذاك يا تلميخا ؟ قال : أطلت فكري في هذه السماء فقلت من رفع سقفها محفوظة بلا عمد ولا علاقة من فوقها ، ومن أجري فيها شمسا وقمرا ، آيتين مبصرتين ، ومن زينها بالنجوم ! ثم أطلت الفكر في الأرض فقلت : من سطحها على صميم الماء الزخار ، ومن حبسها بالجبال أن تميد على كل شئ ؟ وأطلت فكري في نفسي من أخرجني جنينا من بطن أمي ومن غذاني ومن رباني ؟ إن لها صانعا ومدبرا غير ( ديقيانوس الملك ) ، وما هو إلا ملك الملوك وجبار السماوات . فانكب الفتية ( الوزراء ) على رجليه يقبلونها وقالوا : بك هدانا الله تعالى من الضلالة إلى الهدى فأشر علينا . وهنا وثب ( تمليخا ) فباع تمرا من حائط له بثلاثة آلاف درهم وصرها في ردائه وركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة ، فلما ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا : يا إخوتاه جاءت مسكنة الآخرة وذهب ملك الدنيا ، أنزلوا عن خيولكم وامشوا على أرجلكم لعل الله أن يجعل لكم من أمركم فرجا ومخرجا ، فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم ، فجعلت أرجلهم تقطر دما . وهنا استقبلهم راع ، فقالوا : يا أيها الراعي هل من شربة لبن أو ماء ؟ فقال الراعي : عندي ما تحبون ، ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك ، وما أظنكم إلا هرابا من " ديقيانوس " الملك .